السيد علي عاشور

88

موسوعة أهل البيت ( ع )

شيئا فأكله فإنّما يأكل النيران ، وأمّا الخمس فقد أبيح لشيعتنا وجعلوا منه في حلّ إلى وقت ظهور أمرنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث . وأمّا ندامة قوم شكّوا في دين اللّه على ما وصلونا به فقد أقلنا من استقال ولا حاجة لنا إلى صلة الشاكّين ، وأمّا علّة ما وقع من الغيبة فإنّ اللّه عزّ وجلّ يقول : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ « 1 » ، إنّه لم يكن أحد من آبائي إلّا وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه ، وإنّي أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي ، وأمّا وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبها عن الأبصار السحاب ، وإنّي لأمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء ، فأغلقوا أبواب السؤال عمّا لا يعنيكم ، ولا تتكلّفوا علم ما قد كفيتم ، وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج فإنّ ذلك فرجكم والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب وعلى من اتّبع الهدى « 2 » . الخامسة : من التوقيعات فيه : عن محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني قال : كنت عند الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح رحمه اللّه مع جماعة منهم علي بن عيسى القصري فقام إليه رجل فقال له : إنّي أريد أن أسألك عن شيء ، فقال له : سل عمّا بدا لك ، فقال الرجل : أخبرني عن الحسين بن علي عليه السّلام أهو ولي اللّه ؟ قال : نعم . قال : أخبرني عن قاتله لعنه اللّه أهو عدوّ لله ؟ قال : نعم . قال له الرجل : فهل يجوز أن يسلّط اللّه عزّ وجلّ عدوّه على وليّه ؟ فقال له أبو القاسم قدّس اللّه روحه : افهم ما أقول لك : اعلم أنّ اللّه تعالى لا يخاطب الناس بمشاهدة العيان ولا يشافههم بالكلام ولكنّه جلّت عظمته يبعث إليهم من أجناسهم وأصنافهم بشرا مثلهم ، ولو بعث إليهم رسلا من غير صنفهم وصورهم لنفروا عنهم ولم يقبلوا منهم ، فلمّا جاؤوهم ، وكانوا من جنسهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ، قالوا لهم : أنتم مثلنا لا نقبل منكم حتّى تأتونا بشيء نعجز عن أن نأتي بمثله فنعلم أنّكم مخصوصون دوننا بما لا نقدر عليه ، فجعل اللّه عزّ وجلّ لهم المعجزات التي يعجز الخلق عنها ؛ فمنهم من جاء بالطوفان بعد الإعذار والإنذار فغرق جميع من طغى وتمرّد ، ومنهم من ألقي في النار فكانت عليه بردا وسلاما ، ومنهم من أخرج من الحجر الصلد ناقة وأجرى من ضرعها لبنا ، ومنهم من فلق له البحر وفجّر له من العيون وجعل له العصا اليابسة ثعبانا تلقف ما يأفكون ، ومنهم من أبرأ الأكمه والأبرص وأحيى الموتى بإذن اللّه ، وأنبأهم بما يأكلون وما يدّخرون في بيوتهم ، ومنهم من انشق له القمر وكلّمته البهائم مثل البعير والذئب وغير ذلك . فلمّا أتوا بمثل ذلك وعجز الخلق من أممهم عن أن يأتوا بمثله كان من تقدير اللّه جل جلاله

--> ( 1 ) سورة المائدة ، الآية : 101 . ( 2 ) البحار : 53 / 180 ح 10 عن الكليني ، وفي الاحتجاج 469 احتجاج القائم عليه السلام .